محمد أبو زهرة
1242
زهرة التفاسير
خير ، أنصارا لكل شر : يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ والمعنى المتبادر من هذا النص الكريم أن اللّه تعالى توفى عيسى كما يتوفى الأنفس كلها ، وأنه رفع مكانته برفع روحه إليه سبحانه وتعالى ، كما ترفع أرواح الأنبياء إليه سبحانه وتعالى ، هذا ظاهر هذا النص ، ولكن جاءت نصوص أخرى يفيد ظاهرها أن اللّه تعالى رفعه بجسده إليه سبحانه ؛ فقد قال تعالى : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ( 157 ) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 158 ) [ النساء ] فظاهر هذا النص أن اللّه تعالى رفعه إليه بجسمه ؛ لأنه مقابل بالقتل والصلب ، ولا يصلح مقابلا لهما رفعه بالروح ؛ لأنه يجوز أن يجتمع معهما ، ويؤيد هذا ما ورد في صحاح السنة من أن عيسى عليه السلام سينزل إلى الأرض فيملؤها عدلا ، كما ملئت جورا وظلما ؛ فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « واللّه لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرنّ الصليب ، وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ، ولتتركنّ القلاص « 1 » فلا يسعى عليها ، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، ويدعون إلى المال فلا يقبله أحد » « 2 » فإن ظاهر هذا الحديث يفيد أنه ينزل بجسمه من الملكوت الأعلى . وإزاء تعارض ظواهر النصوص على ذلك النحو ، كان لا بد من تأويل جانب منها لتكون ثمة مواءمة بينه وبين الأخرى ؛ ففريق من العلماء وهم الأقل عددا ، أجروا قوله تعالى في الآية الكريمة التي نتكلم في معناها على ظاهرها وأولو ما عداها ؛ ففسروا قوله تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ بمعنى مميتك ورافع منزلتك وروحك إلىّ ، فاللّه سبحانه وتعالى توفاه كما يتوفى الأنفس كلها ، ورفع روحه كما يرفع أرواح النبيين إليه .
--> ( 1 ) جاء في الهامش : القلاص جمع قلوص وهي الناقة ، ولعل المعنى أن ابن آدم يتجرد للروحانية . ( 2 ) متفق عليه ، وقد رواه بهذا اللفظ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مسلم : الإيمان - نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا ( 221 ) ، وبه رواه أحمد : باقي مسند المكثرين ( 10001 ) ، ورواه البخاري : البيوع - قتل الخنزير ( 2070 ) .